أخبار وطنية المنصف بن مراد يكتب: لن يقبل الاتحاد بالقرارات الـمضـرّة بالفــــقـراء والطـبـقـات الوسـطـى
كان رئيس الجمهورية يعتقد انّ إشراك اتحاد الشغل في صياغة وثيقة قرطاج سيوفّر للحكومة هدنة اجتماعيّة تجمّد خلالها الزيادات في الأجور وتكبّل الاضرابات الكبرى، وقد تمّ تمكين محمد الطرابلسي وعبيد البريكي ـ وهما نقابيان بارزان ـ من حقيبتين وزاريّتين لترضية منظمة السيد حسين العباسي، لكن هذه الحسابات خابت لأسباب عديدة منها انّ الحكومة لم تستشر اتحاد الشغل واتحاد الأعراف في القرارات التي اتخذتها بخصوص السياسة الجبائية والميزانية..
والجدير بالملاحظة انّ اتحاد الشغل رفض رفضا قطعيّا ان يكون الاجراء «كبش فداء» فتنتفع بل تتمتّع الحكومة بالهدنة الاجتماعيّة التي طالبها بها صندوق النقد الدولي.. فعوض ان تحاول حكومة السيد يوسف الشاهد فرض العدالة الجبائيّة مهما كان الثمن، وتوفير ما يناهز 8000 مليار في المهن الحرّة، وبدل ان تفرض على كبار المهرّبين أتاوات هامّة أو محاربتهم مهما كانت التضحيات بما أنّهم يمتلكون ما يقارب 50.000 مليار كسيولة من المخازن والمنازل والبنوك والبضائع، اختارت الحكومة سلخ جلد المواطنين واقرار زيادات ستجعل من أغلب التونسيين شبه فقراء حيث ستشمل الزيادات ـ تدريجيا ـ الوقود والماء والكهرباء والقهوة ومعلوم السفر للخارج كما ستفرض أتاوات اضافية على كلّ العمليات الإدارية ومنها تسجيل أيّ وثيقة في القباضة المالية، انّ حكومة السيد يوسف الشاهد ورئاسة الجمهورية غير واعيتين بأنّ الاصلاحات الاقتصادية التي يتحدّثون عنها ستجعل الفقراء والطبقات الوسطى أكثر فقرا علما انّ اسعار الخضر والغلال واللحوم والأسماك سجّلت في الآونة الأخيرة ارتفاعا ملحوظا.
..انّ الغاية من هذه السياسة الجبائيّة التي أعدتها حكومة الصّيد وأقرّتها حكومة يوسف الشاهد لم تراع ـ رغم التصريحات الرنّانة ـ مصالح أغلبيّة التونسيين نظرا الى انّ الطبقات الاجتماعيّة الوسطى كانت تمثّل 75 ٪ من حيث عدد السكّان قبل 2011 في حين اصبحت اليوم تمثّل أقلّ من 40 ٪، وهنا الطامّة العظمى في حين صار السياسيون الذين كانوا فقراء قبل 2011 من أثرياء البلاد وهم يمتلكون آلاف المليارات.. وللتذكير فقد كان شوقي الطبيب أكّد انّ الفساد في الصفقات العمومية ناهز 2000 مليار من مليماتنا وحتى المؤسسات التونسية مثل شركات البعث العقاري ستمرّ بفترات كساد لأنّه ستضاف ـ مثلا ـ أتاوات على القيمة المضافة بـ18 ٪ فإذا كان سعر الشقّة يفوق 200 مليون سيصبح 236 مليونا إضافة الى الترفيع في أسعار موادّ البناء!
ثمّ انّه لا أحد تحدّث عن التقليص في ميزانية وزارة الثّقافة وهذا أبلغ دليل على انّ الحكومة والسياسيين غير واعين بقيمة الثقافة والمثقّفين الذين لولاهم ولولا حرائر تونس واتحاد الشغل لسقطت تونس بأيدي المتشدّدين العقائديين الذين لهم برنامج أوحد وهو أسلمة شعب مسلم وفرض نمط تفكير وعيش وهابي أو ما يشابه ذلك!
وينتظر ان تكون «للاصلاحات» المفروضة من صندوق النقد الدولي انعكاسات خطيرة على المنتفعين بالتقاعد، وكذلك على جودة الخدمات في قطاعي الصحّة والتعليم مع الإشارة الى انّ هذين القطاعين ومكاسب المرأة والاعتدال تعدّ جميعا من مفاخر تونس منذ 60 سنة..
انّ الاصلاحات أمر في منتهى الأهمّية لكن كان على الحكومة ورئاسة الجمهورية ان تشركا أخصائيين من المجتمع المدني واتحاد الشغل واتحاد الأعراف وجامعيين من الوسط واليسار واليمين للاتفاق على توجهات السياسة الجبائية لأنّ هذه الأخيرة ليست أرقاما وقرارات بل هي اختيار نمط اجتماعي، إمّا سيعمّق الفوارق بين فئات المجتمع ويفرض دولة الإدارة والأغنياء أو سيرسي دولة العدالة الاجتماعيّة والتضامن وحماية وتنمية المؤسسة الاقتصادية التونسية التي تكبّلها البيروقراطية والفساد وحتى مصالح بعض الأحزاب والاضرابات العشوائيّة..
وعندما تطلع على مشروع الميزانية يخيل اليك ان تقنيين أعدّوه وحاولوا ايجاد مصادر التمويل بكلّ الطرق حتى لو أدى الأمر الى تفقير أغلب افراد الشعب التونسي طالما انّ الاصلاحات قرّرها صندوق النقد الدولي وقد كان من مصلحة تونس ان ترسل بعثة تتألف من كبار رجال الأعمال وأبرز النقابيين للمطالبة بعدم فرض سياسة جبائية وخيارات اجتماعية سلبيّة ستضرّ بالشعب التونسي خاصة في الظروف الحالية (ارهاب، انفلات اجتماعي، وحالة افلاس، مديونية)..
..أقولها وبكلّ صراحة، ان اجراء هذه «الاصلاحات» سيشعل نيران الاضطرابات والارهاب والاجرام، لأنّ مكاسب الطبقة الوسطى مهدّدة!